قام الباحث نور الدين حسن محمد فارس، الطالب في كلية الدراسات العليا بجامعة النجاح الوطنية، يوم الثلاثاء الموافق 292/9/2015 بمناقشة اطروحة الماجستير بعنوان "صورة الحجاج بن يوسف الثقفي (ت95/713م) عند المؤرخين المسلمين حتى القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي/دراسة تاريخية منهجية".
يستعرض الباحث صورة الحجاج بن يوسف الثقفي عند أربعة مؤرخين عاشوا خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين، وهم : البلاذري، أبو بكر، أحمد بن يحيى ( ت 279 ه/892 م)، واليعقوبي، أحمد بن إسحاق بن جعفر، ( ت 292 ه/904 م)، و الطبري، أبو جعفر، محمد بن جرير ( ت 310 ه/921 م)، و المسعودي، أبو الحسن، علي بن الحسين، (ت 346ه/957 م).
وتميز هؤلاء المؤرخون بأنهم ضموا بين جنبات مصادرهم، معظم الروايات التاريخية التي رصدت حياة الحجاج بن يوسف الثقفي منذ ولادته وحتى وفاته، ولهذا فقد درس الباحث حياتهم، وخلفياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية والمذهبية، وقام بدراسة جذور مصادرهم ومنابعها، وهدف من كل ذلك إلى رسم صورة دقيقة للحجاج بن يوسف، كما وردت في المصادر التاريخية موضع الدراسة.
تناول المؤرخون نشأة وحياة الحجاج، فأجمعوا على أن اسمه الحجاج بن يوسف الثقفي، وكنيته أبو محمد، ويتصل نسبه بقبيلة ثقيف إحدى قبائل الطائف، وأغفلوا سنة ولادته، في حين ذكرت المصادر الأخرى سنوات تراوحت ما بين( 40ه/660 م)- (45 ه/665 م )، وأكدوا على ولادته في الطائف.
وتحدث المؤرخون عن أسرته، وأشاروا إلى والده ووالدته، وكان له سبعة زوجات، وله من الأبناء والبنات خمسة، ومن الأخوة والأخوات ثلاث.
تناول المؤرخون صفاته الخلقية، فأجمعوا على نحول جسمه وقصر قامته وضعف بصره، كما تحدثوا عن صفاته الأخلاقية، فكان فصيحاً بليغاً، وذكروا زهده في إطعام الناس معظم الأيام والشهور، وعلى وجه الخصوص في شهر رمضان، وأشاروا إلى حبه لأصناف معينة من الطعام، وتناولوا الإتهامات التي وجهت إليه مثل سوء الظن والخبث.
اهتم المؤرخون بتناول شخصيته، وأوردوا الروايات التي تشير إلى إكثاره من معاقبة الخارجين عن سياسته، وأكدوا على عدم تهاونه في تطبيق إجراءاته العقابية ضد المخالفين والخارجين على سلطة الدولة الأموية.
كما تناول المؤرخون ثقافته، وأكدوا على قيامه بتعليم الصبيان في الطائف، وامتلاكه أسلوباً خطابياً قوياً ومؤثراً، وتنوع خطبه حسب طبيعة الأوضاع السياسية والاجتماعية والعسكرية.
وتحدث المؤرخون عن علاقته بالخلفاء والأمراء الأمويين، فأكدوا على اشتراكه مع والده ضمن الجيش الأموي في محاربة أعداء الدولة الأموية، ثم ذكروا تعيينه من قبل عبد الملك بن مروان (ت 86 ه/ 705 م) على الحجاز والعراق، واستمرار ولايته على العراق حتى خلافة الوليد بن عبد الملك (ت 96 ه/714 م)، وأشاروا إلى دوره في عزل عمر بن عبد العزيز(ت101 ه/ 720 م) عن ولاية المدينة، لوشاية الحجاج به عند الوليد بن عبد الملك.
واستعرض المؤرخون موقف الحجاج من الثورات التي قامت ضد الدولة الأموية في كل من الحجاز والعراق، فقد تناولوا دوره في القضاء على ثورة عبد الله بن الزبير(ت73ه/692م)، وتحدثوا عن قيامه بالتصدي لثورات الخوارج ( 75 ه/694 م)- (76 ه/ 695 م)، من خلال إبراز دوره في القضاء عليها، وهما ثورة شبيب بن يزيد الشيباني، و ثورة عبد الله بن الجارود (76 ه/695 م)، واستعرضوا المراحل والأحداث التي مرت من خلالها الثورات وانتهاءً بمقتل زعيميها، وأشاروا أيضا إلى ثورة الزنج بالبصرة، و ثورة مطرف بن المغيرة (ت77ه/696 م)، وتناولوا دوره في القضاء على ثورة عبد الرحمن بن الأشعث(83ه/702م).
وتناولوا التنظيمات الإدارية والاقتصادية التي تمت في عهد الحجاج بن يوسف، فذكروا دوره في تعيين العمال وعزلهم، واهتموا بإبراز دوره في حركة الفتوحات التي قامت على الجهة الشرقية للدولة الأموية، وعرض المؤرخون المناطق التي تم فتحها، واهتموا بالحديث عن دوره في ضبط الأمن، وحرصه على تطبيق الأمن والنظام في حدود ولايته ومعاقبة الخارجين والعصاة، وأكدوا على عنايته بالقرآن الكريم، من خلال إظهار دوره في تنقيطه وإعجامه.
كما تحدثوا عن اهتمامه بالزراعة، فذكروا قيامه بمسح أراضي العراق، واهتمامه بتوسيع رقعة الأراضي الزراعية في ولايته، وأكدوا على قيامه بعدة إجراءات من اجل تحقيق الإصلاحات الزراعية، وعرض المؤرخون السياسة التي اتبعها الحجاج في مواجهة الأزمة الاقتصادية التي عانت منها الدولة الأموية، والمتمثلة بانكسار الخراج، ودوره في معالجتها، وإنقاذه خزينة الدولة الأموية من انهيار مالي محقق.
وتناول المؤرخون وفاته، فقالوا :" أنه توفي بمرض الأكلة في بطنه"، واجمعوا على أن وفاته كانت في مدينة واسط، وأكدوا على أنها كانت سنة ( 95 ه/713 م)، ثم ذكروا استخلافه على الصلاة من بعده ابنه عبد الله، وعلى الخراج يزيد بن أبي مسلم (ت102 ه / 720 م)، وعلى الحرب يزيد بن أبي كبشة (ب. ت)، وتناولوا ردود الأفعال الرسمية والشعبية حول وفاته.
أبدى البلاذري موقفاً معادياً من الحجاج ، وأورد الروايات التي أدانت سياسته ومواقفه في شتى المجالات، وأشار إلى رفض أهل العراق عامة لهذه السياسة ، وأوضح محاولاتهم المتعددة لخلعه دون جدوى، إلا أنه في بعض الأحيان أظهر تقديراً لدوره في حركة الفتوحات والتنظيمات الإدارية والاقتصادية التي قام بها ، معتبراً ذلك دليلاً على الحنكة القيادية والخبرة السياسية التي تمتع بها أثناء ولايته على العراق.
وأظهر اليعقوبي تحاملاً واضحاً على الحجاج ، وحرص على إبراز مثالبه، مشيراً إلى سوء سيرته، وقد أجهد نفسه في رسم صورة مظلمة لسياسته تجاه رعيته، ويتضح من خلال رواياته أن الحجاج لا يعرف من السياسة إلا استعمال السيف ، وأنه أداة قمع وبطش وإجرام، وكذلك أغفل دوره الواضح في تعريب العملة وسك النقود ، وأهمل دوره في تنقيط القرآن لعدم اظهاره بصورة الرجل المثالي أحد أركان المشروع الإصلاحي في الدولة الأموية.
تجنب الطبري إبداء وجهة نظره من شخصية الحجاج بشكل واضح ومباشر تاركاً للقارئ مهمة الاستنتاج واستنباط الأفكار بنفسه، إلا أنه أظهر في بعض الأحيان – بشكل مبطن – انتقاداً للسياسة التي انتهجها في تعامله مع أحداث الثورات في الحجاز والعراق ، معتبراً ذلك قمعاً لحرية التعبير، وتجاهل دوره في الإصلاحات الاقتصادية ، وعنايته بالقران الكريم، اضافة الى اصلاحاته الزراعية. وربما يعود ذلك لاهتمامه بتسجيل الأحداث السياسية في تاريخه.
وقف المسعودي موقفاً معادياً للحجاج ، فقد اقتصرت الصورة التي رسمها له على أنها شخصية ظالمة، ومتهماً اياه بحب القتل وسفك الدماء, بالاضافة لذلك فقد بالغ في اظهار عدد المسجونين والقتلى في عهده ، واعتبر موته نهاية لعهد الظلم والتسلط والقهر.
وتكونت لجنة المناقشة من الدكتور عدنان ملحم مشرفاً ورئيساً، و الدكتور عبد الرحمن المغربي ممتحناً خارجياً من جامعة القدس المفتوحة، و الدكتور عامر القبج ممتحناً داخلياً، وفي ختام المناقشة أوصت اللجنة بنجاح الطالب ومنحه درجة الماجستير بعد اجراء التعديلات.
عدد القراءات: 109