قامت الباحثة فلسطين حسن محمود ابو زهو، الطالبة في كلية الدراسات العليا بجامعة النجاح الوطنية، يوم الاحد 1/4/2012 بمناقشة اطروحة الماجستير بعنوان "مجالس اللهو في قصور الخلفاء في العصر العباسي الأول (132-232هـ/750-847م)".

يقصد بمجلس اللهو: جماعة من الناس تجلس إلى جوار الملك أوالخليفة أوالحاكم أوالمسؤول، في ظروف خاصة، تطربه وتسرِّي عنه، ويراعي خلالها الجالسُ مجموعة من الآداب والمبادئ التي سنتها السلطة.

عاشت الدولة العباسية خلال العصر العباسي الأول، أجواء اللهو والترف من بداية عهد المهدي حتى نهاية عهد الخليفة الواثق، ويعودُ ذلك إلى زيادة ثروة الدولة الناتجة عن انضباط أمورها، وانخراط الفرس في المجتمع العباسي، الذين عُرِف عنهم منذ أقدم الأزمنة بميلهم إلى اللهو والترف.

قدّمت الباحثة دراسة لأهمَّ مصادر الدراسة ومراجعها، التي تمثلت في دراسة المصادر التاريخية والأدبية، وكتب التراجم والسيَّر والفلسفة، وكتب التفسير والجغرافيا، إضافة إلى دراسة أبرز المعاجم اللغوية والاصطلاحية، العربية منها أو الأعجمية التي تخص فترة الدراسة، كما قدمت الباحثة دراسة لأهمّ المراجع والدراسات الحديثة، للعربِّ أو للمستشرقين، إضافة إلى العديد من الموسوعات ودوائرِ المعارف والمعاجم الحديثة.

وقد استعرضت الباحثة، أبرز مظاهر اللهو في قصور الخلفاء العباسيين في عصرهم الأول، كان أهمها الجواري اللواتي اتقنَّ مختلف الفنون من شعرٍ وغناءٍ ورقصٍ وعزفٍ، فامتلكن بذلِك أفئدةِ الخلفاء والسادة، وامتلأت بهن المجالس والمعاهدُ الموسيقية وباحاتِ القصر، كما كان لحناجر المغنين والمغنيات (القيان)، والعزف المتقن على الآلات الموسيقية دورٌ في إشاعة الفرح والصخب في أرجاء المجلس.

واهتمَّ العباسيون بالشعر، وبلغ مدى عنايتهم به، أن كتبوه على الخفاف والثياب من عصائب وقمصان ومناديل، وعلى الأقمشة والستائر، إضافة إلى القصائد التي تلقى وتُلحن في مجالس الخلفاء، وقد تضمنت قصائد اللاهيين مواضيع غير أخلاقية تُسببُ الفتنة، كالتشبيب بالنساء، والتغزل بالغلمان، والدعوة الصريحة إلى الخلاعة والتهتك، كما لا يكاد يخلو مجلس من كؤوسِ الخمر والنبيذ، بالغين بذلك درجة السُّكر أو العربدة، فيخرجون بذلك عن تعاليم الدين وأخلاق الحاكم ورزانته.

صَحِبَ الخلفاء في لهوهم الغلمان، وهم أربابُ الخدم، وقد فضلهم الكثيرون على الجواري، فدرجت عادة التغزل بالغلمان والتوَّلع بهم، ومن ثمّ تفشي الشذوذ الجنسي، كما وصَحِبَ الخلفاء في مجالسهم، الندماء، والنديم: هوَّ الصاحب والمسامِر ورفيق الكأس،وقد التزم البعض بنصب ستارةٍ تفصلهُ عن نديمه، في حين لم يلتزم البعض الأخر بذلك.

تمتعت مجالسُ اللهو بوجود المضحكين والمجّان والقصاص سواء داخل القصر أو في خارجهِ، وبممارسة بعض الألعاب التي تتلخص في لعبة الصيد والقنص، ولعبة السباق والحلبة، واللعب مع الحيوانات لا سيَّما القوية منها، ومتابعة العروض المسرحية، كمشاهدِ التنكر، وألعابِ الظِلِّ والدُّمى، واحترف البعضُ من الخلفاء لعبتي النردّ والشطرنج، وبعضِّ ألعاب الرمي، التي كان أهمها: لعبة الكرة والصولجان، ولعبة الطباطب والنشاب، ولعبة الرميِّ بالبندق.

أوضحت الباحثة الزيَّ الخاص بمجالس اللهو، وأشهر أدوات الزينة الخاصة بهم كالطيب والخضاب والجواهِر، وتناولت الفرش والأدوات التي زيّنت بها مجالسُ الخلفاء في العصر العباسي الأول.

وغالت قصور الخلفاء في إعداد الأطعمة والولائم، بمختلف الأشكال والألوان، لا سيما في هذا العصر الذي أطلق عليه العصر الذهبي لثرائه، وامتداد سلطانهِ.

أوضحت الباحثة أن أثار الإسراف والترف والتبذير انعكست سلباً في معظم الأحيان، على النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية، وقد قادت مجمل تلك العواملِ، مجتمعة أو متفرقة، الخلافة العباسية إلى عصرِ الإنحطاطِ، ومن ثم إلى عصر السقوط.

تسببت مجالسُ اللهو في نشوء الكثير من الظواهِر الغريبة والشاذة، وفي زيادة الجريمة، وعملياتِ الاغتيال والسرقات، وفي تكوين مجتمع طبقي اتسعت فيه الفجوة مع مرور السنوات، فعاشت الطبقة العامة المحرومة في الفقر، في حين نعمت الطبقة الخاصة بالرفاهية، مما أدى إلى نشوء الفتن والثورات، وإحداث القلاقِل والإضطرابات.

أشارت الدراسة إلى مواقف طبقات المجتمع العباسي من مجالس لهوِّ الخلفاء، والتي تتكون من الطبقة الخاصة وهي: الفئة الحاكمة التي بيدها مقاليد الأمور في البلاد، والطبقة الوسطى وهم: المقربون من الخاصة، ويعيشون من عطايا ورواتب الطبقة الأولى "الخاصة"، والطبقة العامة وهم: لفيفٌ من أممٍ شتى تباينت أوضاعهم المعيشية بين الجيدة والسيئة، ويندرج تحتَّ كل طبقة مجموعة من الفئات التي اختلفت وجهات نظرها من اللهو، وطرق تعاطيها له، تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لذلكِ العصر.

وتطرَّقت الباحثة إلى موقف الفرق الدينية من اللهو، فكان الدين يقمعُ اللهو المؤدي إلى الفجور والشذوذ، واختلفَ موقفه من الغناءِ، والسماع باختلاف الأحوال والظروف، واختلف أصحابُ المذاهبِ في إباحةِ الغناء أو النهي عنه، ففي حين كان المذهبُ: الشافعي والحنبلي والمالكي يُحرَّمُ اللهو ويدحضه، كان الحنفي أقلَّ شدةً إلى حد ما، في شأن ذلكِ.

وكان موقف المعتزلة من اللهو وسطياً، حيثُ أحبَّ الكثير منهم الغناء والموسيقى ومسامرة الخلفاء، ونأى عنه البعض الآخر، واعتبرت المعتزلة أنَّ المؤمنِ إذا ارتكب الذنب مثل الزنا وشرب الخمر، كان في منزلةٍ بين منزلتين، يعنون بذلك أنه ليس بمؤمِن ولا كافِر. وانكرت الشيعة العلَوّية مواقف السلطة بالجملة، واشتعل العداء بينهما.

وتجلى موقفُ الزهاد والصوفيةِ من اللهو في توجيه دعوات صريحةٍ يحثون فيها على البعد عن اللهو ومظاهره، كوِنهِ من الملذات والمتعِ المحرمة، والابتعاد عن مخالطة الأثرياء والأغنياء، حيثُ سعتْ هذهِ الفئة إلى تطهير النفسِ بالتخلص من شهواتها الدنيوية.

وتطرقت الباحثة إلى موقف الأجهزة الأمنية من اللهو، فكانت مهمة رجال الشرطة تعقبُ اللاهيين والمتسكعين وزجهم في السجن، وتنفيذ العقوبات بحقِهم، في حين كان موقف الجيش مغايراً، فقد تخللَّ اللهو صفوف الجُند، وفسدت أخلاق الكثيرين منهم وكانوا غير مبالين بلهوَّ الخلفاء طالما أنهم يصرفون لهم الرواتب والأرزاق.

 وتكونت لجنة المناقشة من د. عدنان ملحم / مشرفاً ورئيسـاً، ود. عثمان الطل/ ممتحناً خارجيـــــاً / جامعة القدس – ابو ديس، وأ.د. جمال جودة/ ممتحناً داخليــــــاً،  وفي ختام المناقشة أوصت اللجنة بنجاح الطالبة ومنحها درجة الماجستير بعد اجراء التعديلات.

 


عدد القراءات: 92